محمد الغزالي

85

خلق المسلم

سوف يلقى . ولذلك عد القرآن الكريم في أوائل الصفات التي يتحلى بها عباد الرحمن ، هذه المداراة العاصمة : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً « 1 » . وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ، وَقالُوا : لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ « 2 » . وقد يكظم الإنسان غيظه مرة أو مرتين ثم ينفجر . بيد أن المطلوب من المسلم الفاضل ، أن يطاول الأذى أكثر من ذلك حتى لا يدع الشر يسيطر على الموقف آخر الأمر . عن سعيد بن المسيب قال : « بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس في أصحابه وقع رجل بأبي بكر ، فآذاه ، فصمت عنه أبو بكر ، ثم آذاه الثانية فصمت عنه ، ثم آذاه الثالثة ، فانتصر أبو بكر رضي اللّه عنه ، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال أبو بكر : أوجدت علي يا رسول اللّه ؟ قال : لا ، ولكن نزل ملك من السماء يكذبه بما قال ، فلما انتصرت ، ذهب الملك ، وقعد الشيطان ، فلم أكن لأجلس إذ قعد الشيطان » « 3 » . * * * ومداراة السفهاء لا تعني قبول الدنيّة . فالفرق بين الحالين بعيد . الأولى ضبط النفس أمام عوامل الاستفزاز ، ومنعها طوعا أو كرها من أن تستجيشها دواعي الغضب وإدراك الثأر . أما الأخرى فهي بلادة النفس ، واستكانتها إلى الهون ! وقبولها ما لا يرضى به ذو عقل أو مروءة . وقد أعلن القرآن محبته لمداراة السفهاء وكراهيته لقبول الدنية .

--> ( 1 ) الفرقان : 63 . ( 2 ) القصص : 55 . ( 3 ) أبو داود .